• :
  • :

برنامج قائمة مستقلّة تُعنى بالبيئة

في ما يلي البيان الانتخابي للقائمة المستقلة “بيئتنا” برئاسة الإعلامية جنات بن عبد الله:

رعاية البيئة حق أساسي من حقوق المواطن

إن عدم رعاية المسائل البيئية الذي يتجلى من خلال عدم لامبالاة الحكومات المتعاقبة و المواطن جعلنا نطلق صيحة فزع، لأننا على يقين بأن هذه الوضعية المتردية أصبحت تمس المواطن التونسي في مجالات حياته و مقومات أمنه ومحيطه الاجتماعي ونجاعته في دفع الحراك التنموي.

وبناء على هذا وللمساهمة في الحد من التدهور البيئي والانخرام الايكولوجي قررنا الترشح للانتخابات التشريعية لسنة 2014 قصد استغلال فرصة الحملة الانتخابية لإبراز الأبعاد الحقيقية لمسألة البيئة للناخب التونسي من جهة، والضغط على الأحزاب السياسية ومختلف التيارات المتزاحمة أمام باب مجلس الشعب من جهة أخرى حتى يعطوا للبيئة مكانا في برامجهم وسياساتهم.

حماية البيئة فرض عين على كل مواطن تونسي

يتحمل كل مواطن تونسي، مهما كان موقعه، مسؤولية حماية البيئة. فبسبب تدهور الموارد الطبيعية

( الانجراف ، التصحر ، تراجع الرصيد البيولوجي الطبيعي، اندثار الأصناف الحية ، … )، وانتشار وتنامي مصادر التلوث بكل أشكاله، سائلا وغازا وصلبا، فقد أصبح المواطن التونسي مهددا في قوته وشرابه وصحته وجودة حياته.

مهدد في قوته وشرابه

ففي ظل تواصل تنامي عجز الميزان الغذائي أضحى ملف الأمن الغذائي من أولويات القضايا التنموية المطروحة في بلادنا على المديين القصير والمتوسط . فمادة الفارينة مثلا التي تعتبر المصدر الأساسي في غذاء التونسي أصبحت تورد بسبب عدم وجود سياسة فلاحية قادرة على توفير حاجيات التونسي من هذه المادة . والسؤال المطروح على الحكومات القادمة كيف يمكن لها تأمين خبز التونسي في ظل تواصل عجز الميزان التجاري الغذائي و تدهور ميزان المدفوعات وتفاقم المديونية الخارجية ، وأيضا في ظل تواصل الاعتماد على البذور الموردة الضرورية للإنتاج الفلاحي .

كما أنها مطالبة بإقرار سياسات وبرامج ترمي إلى توفير اللحوم والألبان والقطع التدريجي مع الاعتماد على الأعلاف الموردة المكلفة والتي ساهمت في الارتفاع الجنوني لأسعار اللحوم والألبان ، والحال أن أكثر من 4 ملايين هكتار من الأراضي الشاسعة كانت مخصصة للمراعي الطبيعية لفائدة القطيع إلا أن عدم العناية بها ورعايتها وترك أنماط استغلال ايجابية كانت معتمدة في الماضي أفقدها وظائفها الاقتصادية والاجتماعية .

تعتبر تونس على أبواب أزمة مائية خطرة يهدد أمنها المائي. ويتوقع الخبراء التونسيون في مجال المياه أنه مع حلول سنة 2030 ستشهد تونس اختلالا في التوازن بين العرض والطلب على المياه. وتعد تونس 80 مائدة مائية ( 53 منها سطحية و27 عميقة) تتعرض منذ الاستقلال للاستغلال المشط لتغطية حاجياتنا من ماء الشرب وحاجيات مختلف القطاعات الأخرى مثل الصناعة والفلاحة.وقد ارتفع مؤشر الاستعمال اليومي للكميات المائية السنوية المتجددة من 81 بالمائة سنة 1980 الى 114 بالمائة سنة 2010 بالنسبة الى الموائد السطحية ، ومن 51 بالمائة والى 86 بالمائة بالنسبة الى الموائد العميقة ، علما وأن تجدد المياه بطريقة طبيعية للمائدة المائية يتطلب مليون سنة .

ويأخذ هذا الوضع منعرجا أخطر بالنسبة للموارد المائية العميقة في الجنوب التونسي التي تتسم بملوحيتها وبعدم تجدد المياه السطحية فيها .

مهدد في صحته

إن الإنتشار السريع لمصادر التلوث بكل اشكاله جعل المواطن غير مؤمن في تنفسه وفي نوعية المياه التي يستعملها للغسل والطهي و في نوعية الغذاء، حيث أن تراكم الملوثات في المائدة المائية وفي التربة بسبب الاستعمال المكثف للأسمدة الكيميائية والمبيدات أدت إلى إنتاج محاصيل زراعية غير سليمة نجد آثارها في تنامي الأمراض الجلدية والعضوية وربما الوبائية التي تعج بها المستشفيات التونسية والمراكز الصحية . كما أن التلوث الهوائي الناتج عن انبعاث ثاني أكسيد الكربون يتسبب في تأخر نمو الإنسان والحيوان والنبات وفي تلف المعادن والمواد المستعملة في البناء حيث تؤدي إلى سرعة صدأ المنشات الحديدية. إلى جانب ذلك يعتبر غاز الكبريت أحد الملوثات الضارة للهواء وللبدن حيث يترك التسمم بالكبريت آثارا خطيرة على الجهاز العصبي ودماغ الإنسان . وحسب دراسات منظمة الصحة العالمية فان نشأة الطفل في بيئة ملوثة يتسبب في وجود نسل فيه كثير من العاهات تؤدي إلى الإعاقة وهو ما يتناقض مع حقوق الطفل وبالتالي حقوق المجتمع التي ضمنها له دستور تونس 2014.

ففي القيروان مثلا يتسبب مصنع التبغ والوقيد بالمنصورة الذي تم بعثه في منتصف سبعينات القرن الماضي في انبعاث غازات سامة ساهمت في ارتفاع نسبة التلوث في الجهة . كما تسبب تشغيل مصنع الاسمنت الذي تم تشغيله منذ سنتين بالوسلاتية في تلويث البيئة وإلحاق أضرار بالأراضي الفلاحية .

وفي قابس التي كان يطلق عليها اسم “قابس جنة الدنيا” تحولت الحياة فيها إلى لعنة باعتبار السموم التي ينفثها المجمع الكيميائي والتي تسببت في اندثار الواحة البحرية الفريدة من نوعها في العالم ، وتدمير التربة والأراضي الفلاحية والمائدة المائية حيث تعاني عدة مناطق من شح المياه .

المواطن في قابس أصبح معرضا أكثر من غيره الى الأمراض مثل ضيق التنفس وهشاشة العظام والحساسية والأمراض السرطانية فضلا عن ظاهرة العقم لدى الرجال والنساء التي أصبحت تهدد الجميع.

الأمثلة تتكرر من الشمال إلى الجنوب والتهديدات أصبحت محدقة بكل المواطنين .

مهدد في جودة حياته

إن المنغصات المتنوعة التي تهيمن على نمط عيش المواطن ساهمت في تدني جودة الخدمات البيئية الأساسية مثل التطهير والتصرف في النفايات والنقل وشبكة التزود بالماء الصالح للشراب و فضاءات التنزه الضرورية لتمكين المواطن من تجديد نشاطه اليومي و إزالة تراكم الضنك اليومي الذي يلحق به من جراء العمل.

مهدد في نسق الحراك التنموي

إن اللامبالاة تجاه تنامي المشاكل البيئية من تدهور للموارد الطبيعية و تدني لجودة حياة المواطن ساهمت بصفة كبيرة في الإضرار بمقومات الحراك التنموي و عناصره الأساسية التي زاد في تراخيها وتذبذبها أنماط التنمية التي تم إتباعها خلال العقود الماضية و التي أدت إلى كلفة بيئية مرتفعة قدرت فيما بين 3 و4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي حسب دراسة قام بها البنك الدولي في تونس وعدد من دول جنوب المتوسط في سنة 2003 وتم تحيينها في سنة 2007، حيث أن هذه الكلفة مرشحة للارتفاع بفعل الآثار السلبية للتغيرات المناخية على الموارد الطبيعية و مصادر الغذاء و مقومات الأمن الحي للإنسان.

كل هذه المخاطر التي تهدد المواطن التونسي هي بصدد التنامي أمام عدم مبالاة المسؤولين وأيضا المواطن ذاته لتصل إلى درجة الإرهاب البيئي.

فأين موقع المواطن من هذه المشاكل و ما هي مسؤولية الدولة و المجتمع؟

التزام التونسي

أمام التضحيات المالية التي قدمها في العقدين الماضيين اعتقد المواطن التونسي أنه تم القضاء على العديد من المظاهر السلبية في المجال البيئي ليصطدم بواقع مخالف وخطير بعد الثورة جعله يتراجع عن الانخراط في كل مجهود في المجال خاصة بعد ان تبين له أن التقنيات التي كانت معتمدة لحل المشاكل البيئية هي تقنيات تعود إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي وأن الاستمرار في اعتمادها لا يزيد هذه المشاكل إلا تفاقما .

وأمام هذا الوضع أعلن المواطن التونسي عن موقفه بكل صراحة وبصوت عال عدم التزامه بمواصلة الجهد الجماعي ( التمويل عن طريق الضرائب ) والجهد الميداني مادام هناك إصرار من قبل الأحزاب السياسية والسلط المركزية والمحلية على مواصلة اعتماد هذه التقنيات والوسائل القديمة .

إن الخروج من هذه الوضعيات السلبية التي تعاني منها البيئة في تونس يتطلب لا التزام المواطن فقط، خاصة وأنه قد أبدى التزامه في السابق ، بل يتطلب انخراطا إراديا، وعن قناعة، لأصحاب القرار على جميع المستويات المركزية والمحلية في تطبيق سياسة بيئية واقعية وبراغماتية تعطي نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في أي مكان كان من تراب البلاد .

فالقطع مع سياسات المناسبات ضروري، والتخلي نهائيا عن المنهج العلاجي المعتمد في تناول المسائل والقضايا البيئية ضروري أيضا. فخلال العقود الماضية عرفت تونس وضعية ازدواجية متناقضة حيث تمت الموافقة على مشاريع اقتصادية بهدف التنمية وخلق مواطن الشغل وغضت النظر عن الأضرار التي ألحقتها بالموارد الطبيعية وبجودة حياة المواطن وصحته لتتولى الهياكل الحكومية ومبادرات المجتمع المدني معالجة هذه المضار وتكلف المواطن التونسي أعباء مالية مضاعفة الأولى لتقديم الحوافز للمستثمرين والثانية لمعالجة التدهور البيئي الذي تسببه هذه المشاريع .

وفي هذا السياق ندعو المواطن التونسي إلى مطالبة الحكومة المؤقتة الحالية والحكومات القادمة إلى استشارته من خلال المجلس الوطني التأسيسي ومجلس الشعب القادم إلى اعتماد الشفافية عند اتخاذ أي قرار يتعلق باستغلال مواردنا الطاقية بما في ذلك غاز الشيست . وفي هذا المجال نعلن أننا مع الاستغلال الأفضل لكل مواردنا الطبيعية ومنها غاز الشيست إلا أننا نعارض استعمال التقنيات المتوفرة حاليا والمعتمدة في استخراجه باعتبار تبعاتها البيئية السلبية وكلفتها المائية المرتفعة. لذلك ندعو الجميع سلطات ومجتمع مدني إلى احتساب هذه التكاليف والتكاليف الاقتصادية في اتجاه احترام متطلبات التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر وحقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ، والاستئناس بالتجربة الفرنسية التي تخلت عن استخراج غاز الشيست في انتظار وجود تكنولوجيا جديدة انخرطت في البحث عنها من خلال ضبط ميزانية خاصة في الميدان .

المطلوب في المستقبل هو أن يلتزم كل نشاط اقتصادي وفي صلب سياسته وإستراتجيته عدم إلحاق الأضرار بالبيئة وبإدماج البعد البيئي في سياساته وإستراتيجيته وهو ما تنشده أنماط التنمية المستدامة التي ترتكز على منهج الاقتصاد الأخضر من جهة ومنهج الاقتصاد التضامني من جهة أخرى .

الحلول الممكنة لمجابهة الوضع

المطروح اليوم هو تجسيم مبادئ الدستور في السياسات التنموية وهو ما يتطلب مسؤولين لهم دراية بهذه الحقوق ولهم قناعة بالعمل على تجسيد هذه المبادئ من خلال:

  • إرساء منظومة مؤسساتية لها القدرة والكفاءة على تجسيم هذه السياسات ومتابعتها ومساءلتها لضبط المسؤولية وإقصاء أسباب الفشل .
  • تعزيز الثقة بين المواطن بصفته المسؤول الأول في مجال رعاية البيئة والعناية بها مع بقية الأطراف المتدخلة من سلط مركزية ومحلية وإدارة مسؤولة عن حل المشاكل البيئية .
  • تثمين نتائج البحوث المتوفرة في مجال حل المشاكل البيئية حسب حجمها وظروف وجودها . فمثلا حل مشكل النفايات، يكمن الحل الأمثل في توفير التقنيات الكفيلة بمعالجة الأسباب الحقيقية للمشكل وهذه الأسباب تختلف من منطقة إلى أخرى وتتطلب توخي سياسات علاجية ووقائية تعتمد تكنولوجيات وتقنيات ملائمة يمكن للمواطن أن يتفاعل معها بما من شأنه أن يضمن لها الاستدامة.
  • ترشيد استخدام المياه لمختلف الأغراض للضغط على حجم الاستهلاك و العمل على مزيد تعبئة المياه السطحية التي تتوفر سنويا من الأمطار.

  • ترشيد استخدام الطاقة والكهرباء للضغط على فاتورة الاستهلاك والإسراع بالانتقال الطاقي بالاعتماد على الابتكار الوطني في مجال استغلال الطاقات المتجددة الشمسية و الرياح.
  • تفعيل التقنيات المحلية للقضاء نهائيا على مشاكل سوء تجميع النفايات المنزلية و المشابهة التي أصبح تكدسها بالأنهج و الساحات وصمة عار في جبين مجتمعنا، و معيار تأخر لمستوى مدنيتنا.

أختي الناخبة … أخي الناخب،

كشفت التجربة التونسية فشل تعاطي مختلف الأنظمة السابقة والحكومات المتعاقبة بعد الثورة مع ملف الأسعار …أسعار الغذاء …السكن…النقل… الصحة والأدوية…اللباس…الكهرباء…الماء…لتصل نسبة التضخم الى مستوى 6 بالمائة مقابل مستوى أجور غير مرشح للارتفاع في ظل تراكم الأخطاء وتفاقم عجز ميزانية الدولة ومواصلة العمل باليات وبرامج منوال تنمية الأنظمة السابقة .

إن برنامجنا هذا هو الأقدر على إعادة الاعتبار لثرواتنا الطبيعية والبشرية وتثمينها في إطار رؤية شاملة تحافظ على هذه الثروات وترسي قواعد الحوكمة الرشيدة في جميع مستويات الحكم وتؤمن التنمية المستدامة كمنهج حكم وحياة و تعزز مقومات سيادتنا الوطنية التي تم التخلي عن جزء منها مقابل استثمارات أجنبية لا تستجيب لمتطلبات التنمية في بلادنا …لقد حان الوقت ليأخذ التونسيون زمام الحكم ويوظفوا قدراتهم لتوفير مواطن الشغل والكرامة والحرية لجميع التونسيين …أهداف رفعها شباب الثورة سنعمل على تحقيقها وتحويلها الى واقع .

أيها المواطن أنت القلب النابض في عملية البيئة …فلنستمع إلى بعضنا ولنقنع بعضنا البعض ونفرض هذه القناعة على أصحاب القرار.

بتوقيت تونس